منتدى دموع العشاق
موضوع بعنوان :روائع الشعر العراقي/سعدي يوسف/الوقت محكما
الكاتب :ناطق العبيدي


بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
لَكَم حاولتُ أن أبقى طويلاً ...
ولأقُلْ خمساً من الساعاتِ
أو سِتّاً
بذاك البارِ في الحَيّ القديمِ ، مجاورَ الباستِيلِ ...
كَم حاولتُ أن أبقى هناكَ !
سجارتي الجِنِّيّةُ الملفوفةُ :
الجِيتانُ في ورقٍ من الذُّرَةِ .
النبيذُ المنزليُّ بِدَوْرَقٍ ،
واللحْمُ يؤكَلُ نَيِّئاً في صَحْفةِ التَّتَرِ ...
الدخانُ يظلُّ منعقداً
وأزرقَ .
كنتِ أنتِ ، بهيّةً ، تنجابُ عنكِ سحابةُ الجِيتانِ
فارعةً
وضاحكةً
كأنكِ لم تكوني منذُ أن طلعَ الصباحُ وراءَ هذا البارِ ...
كم حاولتُ أن أن أبقى طويلاً !
قلتِ لي :
عُدْ في المساء ...
***
ولم تعودي !
؟ Woo…Woo…Woo… أتسمعُ الريحَ
أتسمعُها تئِنُّ في **ِ ؟
الأمطارُ ترفعُ نهراً طائراً في الهواءِ ،
القطّةُ اختبأتْ في الركنِ …
كم من شتاءٍ مَرَّ !
كم مطرٍ …
كم !
البلادُ التي نحبُّ انتهت من قبلِ أن تولَدَ ...
البلادُ التي لم نُحبِبِ استأثرتْ بما قد تَبَقّـى من دمٍ في عروقِنا .
نحنُ كنا أهلَها ...
قُلْ : بَلى ...
ولكنْ توَلاّنا سعيرٌ من أولِ الـخَلْقِ .
هل كنّا نياماً
أم غافلِينَ ؟
وهل كانت مشاحيفُنا تلُفُّ لنا الـبُرديَّ أنشوطةً ...
وهل كانت الطيرُ طيورَ الجحيمِ ؟
لم يبقَ عندي من ترابٍ أريدُ أن يتلاشــى
هابطاً من أصابعي ...
سكَنَ الوقتُ .
***
البلادُ التي نحبُّ انتهتْ
أجيءُ إليه ، في رمَضانَ ، مُضْنى
يبيسَ الحَلْقِ من سفَرٍ بعيد ...
فيفتحُ بابَهُ ، ويقولُ : دعْنا
نرى رمَضانَ مصطفِقَ البُنودِ !
*
كأنّ نبيذَه الورديَّ ورْدٌ
وثلْجٌ ، آنَ تستعرُ النفوسُ
أقولُ له : كأنّكَ لا تَرُدُّ
على قومٍ لهم عَيْنٌ تجوسُ ...
*
ويهمسُ ضاحكاً ، وطّارُ : سعدي!
أتعرفُ ؟ نحنُ أدرى بالمعاني ...
دع الغوغاءَ في أخْذٍ و رَدِّ
ودعْنا سائرينَ مع الأغاني !
*
سلام الله ، يا وطّارُ ، ألْفا
وألفاً للنبيذِ ، غِنىً ووصْفا !
أظلُّ مندفعاً دوماً،
أدوسُ على مُعَجِّلِ السرعةِ القصوى
وأتركهُ على أديمِ الحديدِ الجهْمِ ينطبقُ
فوقي سحابةُ مِدرارٍ تُظَلِّلُني
وفي المدى الخافقانِ: الريحُ والورَقُ.
ما أضيقَ العيشَ!
لو كان المدى بِيَدي
لكنتُ سِرتُ إلى ما ليسَ يُختَرَقُ.
منذ الآن ، ستدخلُ في قوقعةٍ أصلبَ
قوقعةٍ تَنْدى في الفجرِ الأوّلِ كي تَظْمأَ طولَ اليومِ .
الساعاتُ خطوطٌ
والأعوامُ دوائرُ
والتاريخُ هو اللحظةُ .
*****
هل أنت سعيدٌ ؟
هل أنتَ شقيٌّ ؟
هل ترغبُ في أن تخرجَ من هذي القوقعةِ
القوقعةِ/ الحُلْمِ
القوقعةِ / الحِصنِ
القوقعةِ المُلْتَفّةِ حولَ قميصِكَ مثلَ قِباءِ رصاصٍ ؟
****
حسناً !
ماذا تفعلُ في آخرةِ الليلِ لو اخترقتْ جدرانَ القوقعةِ
الصيحاتُ ...
الصيحاتُ النُّعْمى
صيحاتُ البطّالبرّيّ
بحث وتقديم ناطق ابراهيم العبيدي