بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أمسِ ،
قلتُ : انتهتْ سنواتُ العذابْ
أنا ظَهري إلى حائطٍ
والقبورُ أمامي بغَربيِّ لندنَ
والفجرُ ، دوماً ، ضَبابْ .
............
أمسِ ، قلتُ...
ولكنّ تلكَ الصنوبرةَ المستقيمةَ في البُعدِ ، لم تَتَّركْ لي ،
ولو لحظةً ، شاطئاً للتأمُّلِ. تلكَ الصنوبرةُ استقدمتْ ،منذُ
يومينِ كِيزانَها وثعالبَها والسّناجيبَ والطيرَ،
واستقدمتْ غيمةً تستقرُّ على جبهتي ، ثم نَسراً بأجنحةٍ
من هُلامِ ، ومَدّتْ على مَدخلِ البيتِ أغصانَها
وهي مضفورةٌ كالشِّباكِ الخرابْ.
انتظرتُ...
الصباحُ انقضى. واستراحتْ على الشُّرُفاتِ الظهيرةُ.
قَلَّتْ على الشارعِ الحافلاتُ.ولم يبقَ إلا المساءُ .
اقتنعتُ بأني سجينٌ ، وأنيَ لا أكرهُ السجنَ
( فالمرءُ يألَفُ ) قالَ لنا المتنبِّيءُ. في بغتةٍ ألمحُ الشيبَ
يَنبتُ في راحتَيَّ. الكلامُ العجيبُ ، إذاً، قد تَحقّقَ.
ها أنذا ألمحُ الشيبَ، فعلاً، على راحَتَيَّ،بلونِ الترابْ.
انتظرتُ...
الصنوبرةُ استجمعتْ ، كالرياضيِّ، أنفاسَها. والصنوبرةُ
اندفعتْ بثعالبِها والسناجيبِ والغيمِ والطيرِ والنَّسرِ ....
وال...وال...
وراحتْ تدقُّ على البابِ مجنونةً ، تتقاذَفُ كيزانُها؛
والفروعُ على جبهتي إبَرٌ واضطرابْ.
أنا ظَهري إلى حائطٍ...
والقبورُ أمامي بغربيِّ لندنَ
والفجرُ ، دوماً ، ضبابْ .
هيّأتُ مائدتي ( لقد حلَّ المساءُ )
وقُلْتُ : قد تأتونَ...
فكّرتُ ؛
الحياةُ طويلةٌ
ولَرُبّما لا يستحقُّ الأمرُ هذا الطّولَ ،
فلْنجلسْ قليلاً حولَ مائدةٍ
لِنَنْسَ فَداحةَ الأشياءِ
والبابَ المُواربَ عندَ منعطَفِ الطريقِ الساحليِّ
وباقةَ الزهرِ التي ذبُلَتْ ،
لِنَنْسَ كلامَنا
وتَلَكُّؤَ الفَتَياتِ
والأوراقَ
والشمسَ التي غربَتْ ...
.........
.........
لقد هيّأتُ مائدتي
وقُلتُ : لَعَلَّكم تأتون ...
من أين رائحةُ القرنفلِ ؟
شَعرُها ؟
أم إبطُها ؟
أم ثوبُها الملقى على سجّادةِ البوشناقِ ؟
ليلى
منذُ ثالثِ خطوةٍ في البيتِ
تجعلُ كلَّ ما في البيتِ ضَوعَ قرنفلٍ ؛
ليلى
هي البستانُ رَطْباً
وهي ما يتنفّسُ البستانُ مَسْقيّاً وليليّاً ،
وليلى الآنَ
تعرفُ أنني ثَمِلٌ برائحةِ القرنفلِ
فهي تَرتقُ ما تناثرَ من غيومي ثم تنشرُها سماءً
كالمُلاءةِ ...
إن ليلى ، وهي مطْبِقةٌ ،
تحسُّ بأن أناملي خدِرَتْ على الكُثبانِ
تعرفُ أنّ نبضي نبضُها
وصَبيبَ مائي ماؤها ...
.........................
ليلى
ستتركني أنامُ مهدهَداً بين القرنفلِ والغمام !
بحث وتقديم ناطق ابراهيم العبيدي