د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
الخطبة الأولى
عباد الله، أوصيكم بتقوى الله وتعظيم شعائره، فقد قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32].فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((ضَحَّى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بكَبْشينِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُما بيَدِهِ، وسَمَّى وكَبَّرَ، ووَضَعَ رِجْلَهُ علَى صِفَاحِهِمَا)).
ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 123]، ومن ذلكم: اتِّباعُ أوامر الله تعالى؛ ففي قصَّة نبيِّ الله إبراهيم عليه السلام مع ولده إسماعيل عليه السلام دَرسٌ في امتثال أوامر الله تعالى، والثباتِ عليها، والصَّبرِ على طاعته، ومن حِكمها- عباد الله- زيادةُ المودَّةِ، والمحبَّةِ بين المسلمين؛ لِما في الأضحية من توسعةٍ على الأقارب، وصِلةٍ للأرحام، كما فيها إدخالٌ للسرور على الفقراء والمحتاجين؛ بمشاركتهم الأضحية، وإظهار الشُّكر والحَمد لله تعالى على نِعَمه الكثيرة، وفضائله العظيمة؛ فشُكر النِّعَم سببٌ لبقائها، ودوامها.
((نَحَرْنَا مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ)).
فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28]، وقال سبحانه: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾ [الحج: 36]، فكما يستحب أن يأكل المضحي من أضحيته فيجب عليه أن يتصدَّق بشيء منها، وأقلُّ ذلك أوقية، وهو ما يعادل مائتي جرامٍ من اللحم، ويجب أن يكون اللحم نيئًا، ويُعطيه لفقير مسلم، فإن لم يتصدَّق بشيء من أضحيته وجب عليه أن يتصدَّق بمقدار أوقية من لحم.
((أنَّهُ نَهَى عن أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ- أي أيام التشريق-، ثُمَّ قالَ بَعْدُ: كُلُوا، وَتَزَوَّدُوا، وَادَّخِرُوا)).
((سألت أبا أيوب: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: كان الرجل يُضحِّي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تناهى الناس كما ترى))، ولا يصحُّ اشتراك أكثر من واحدٍ في ثمن الشاة الواحدة وإن زاد المسلم عن شاةٍ واحدةٍ لا رياء ولا سمعة فحَسَنٌ، ولا يعتبر من أهل بيته ضيوفه ولا أولاده المتأهلون في بيوت مستقلة تمامًا، وإذا تعارض الدَّيْن والأضحيةُ فيقدم الدَّيْن؛ لعظم خطره، ولأنه أوجب.
الخطبة الثانية عباد الله، هنيئًا لمن كتبهم اللهُ عز وجل من حجاج بيت الله الحرام، فقد اصطفاهم الله عز وجل ليكونوا ضيوفه سبحانه جل جلاله، وليهنئوا بإتمام الركن الخامس لأركان الإسلام، مُلبِّين لنداء الله عز وجل وموحدين: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ".
عباد الله، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، فالدعاءُ يومُ عرفة إن كان مخصوصًا به الحجاج فهو عامٌّ لكل المسلمين في بقاع الدنيا.
((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، فقد أخرج مسلمٌ عن أبي قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صِيَامُ يَومِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتي بَعْدَهُ)).
الموضوع الأصلي

" />