مجاهد أحمد قايد دومه
المقدمة:
أيها الإخوة الكرام، أهل قريتنا العزيزة، أُوصيكم ونفسي بتقوى الله- عز وجل- فهي زاد الآخرة ومكسب الدنيا، قال الله تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: 197].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].
<font face="Arial">وَالناسُ للناسِ مِن حَضرٍ وَبادِيَةٍ

أيها الناس، إن التعاون بين الناس أمر ضروري لا يمكن الاستغناء عنه، وهو فطرة وجِبِلَّة فطر الله عليها الخلق؛ صغارهم وكبارهم، ذكورهم وإناثهم، أغنياءهم وفقراءهم، فلا يمكن لأحد الاستغناء عن الآخر، قال الله تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [الزخرف: 32].
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2].
أيها المسلمون، إن التعاون المشروع بين الناس قد يكون في أمر الدين، وقد يكون في أمر الدنيا. وهو أنواع:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]، وقال- جل وعلا-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [الصف: 14].
مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِن الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا»؛ (رواه مسلم).
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [آل عمران: 104]، وقال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [آل عمران: 110].
كَلَّا واللهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعروفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عنِ المُنكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ على يَدَيِ الظالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ على الحقِّ أَطرًا»؛ (رواه أحمد وأبو داود).
ومنها التعاون في قضاء حوائج المسلمين وتفريج كرباتهم، وهذا باب عظيم من أبواب الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أرأيت إن لم يجد؟ قال: «تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ»؛ (رواه البخاري). وفي رواية: «تَعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ».
مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»؛ (رواه مسلم). فمن تعاون مع إخوانه في تفريج كربهم، فالله في عونه، ومن ستر مسلمًا سترَه الله في الدنيا والآخرة.
ومنها التعاون المالي: وهو أن يسهم الغني بماله في إغناء الفقير، وسدِّ حاجة المحتاج، وإقراض المعسر، والصدقة على المسكين. قال أبو سعيد الخُدْري رضي الله عنه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فجاء أعرابي على راحلته وجعل ينظر يمينه وشماله، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ».
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ [البقرة: 245]. ومنه التعاون البدني واليدوي.
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا"؛ (رواه البخاري).
ومنها التعاون القولي (الشفاعة الحسنة والدعاء والتشجيع) فالشفاعة الحسنة لمن يحتاج إليها- كأن يشفع المسلم لأخيه عند مسؤول لدفع ظلم عنه أو لقضاء حاجة- هي من التعاون المحمود، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا»؛ (رواه البخاري).
دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ»؛ (رواه مسلم).
ومنها التعاون على الإصلاح بين الناس: قال الله تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [النساء: 114]، وقال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ [الأنفال: 1]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ؟». قالوا: بلى. قال: «إِصْلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ»؛ (رواه أبو داود والترمذي).
ومنها تعاون الزوجين: فالزوجان يتعاونان على إدارة شؤون المنزل، وقد سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ- تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ»؛ (رواه البخاري). وفي رواية: «كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ؛ يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ».
أيها المسلمون، إن التعاون المحمود بين الناس له ثمرات عظيمة، منها: حصول عون الله وتيسيره، فالجزاء من جنس العمل، كما في الحديث: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»؛ (رواه مسلم).
وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»؛ (متفق عليه).
أيها المسلمون، كما أمرنا الله بالتعاون على البر، نهانا عن التعاون على الإثم والعدوان، فقال: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾. فمن التعاون على الإثم والعدوان: نشر البدع والخرافات، ترويج الفواحش والمنكرات، أكل أموال الناس بالباطل، أكل الربا، التستر على المجرمين، إشاعة الفتن، شهادة الزور، ترويج المخدِّرات والمسكرات، نشر الإشاعات الكاذبة. فإياكم ثم إياكم أن تكونوا أعوانًا على ظلم أو عدوان.
[b]الخطبة الثانية كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ»؛ (رواه البخاري ومسلم). اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، أما بعد:
فيا أهل قريتنا الكرام، أيها الجيران الأحباب، أيها العقلاء والأعيان، أيها الفقير والغني، أبشركم بأن ما تقومون به من مبادرة إصلاح الطرق هو من أفضل الأعمال عند الله، وأحبها إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
أيها الإخوة، إصلاح الطريق ليس مجرد ردم حفر أو إزالة حجارة، بل هو شعبة عظيمة من شعب الإيمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ»؛ (رواه مسلم). فانظروا! أدنى شعب الإيمان هو إماطة الأذى عن الطريق، فكيف بمن يصلح الطريق كاملًا؟!
رجل وجد غصن شوك في الطريق، فأزاله، فشكر الله له وغفر له، بل رآه النبي يتقلب في الجنة"؛ رواه مسلم. فإذا كان هذا أجر من أزال غصنًا صغيرًا، فما ظنكم بمن يزيل حفرًا ووحلًا وحجارةً تؤذي المارَّة؟!
وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». فكل حجر ترفعه، وكل حفرة تردمها، وكل أذى تزيله، فهو صدقة عند الله. وصدقة الجسد لا تقل عن صدقة المال.
وتأملوا الأجر العظيم: إصلاح الطريق صدقة جارية؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»؛ (رواه مسلم). فالطريق الذي تصلحونه، كل مَنْ مَرَّ عليه بعد موتكم، فلكم أجره. كل سيارة سارت عليه، وكل طفل مشى إليه، وكل مريض وصل به إلى المستشفى، فلكم مثل أجورهم. أليس هذا هو الكنز الذي لا ينفد؟!
والآن، كل واحد منا له دور:
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ﴾. بادِرْ أنت بنفسك، واقتدِ بعثمان رضي الله عنه حين جهَّز جيش العسرة، فقال النبي: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ»، وتذكَّر قول الشاعر:
[b] <font face="Arial">بَادِرْ إِلَى الْخَيْرَاتِ يَا ذَا الْغِنَى

أيها الإخوة، لا تتكاسلوا، لا يقل أحدكم: "سيفعلها غيري"، بادروا أنتم، من عنده آلة فليعرضها لخدمة المشروع، ومن عنده مال فليبذل، ومن عنده وقت فليحضر، ومن لا يستطيع فليكثر من الدعاء.
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2].
[face=Arial]اللهم اجعل هذه المبادرة مباركة، ووفق عدول قريتنا للحكمة، وبارك في أموال أغنيائنا، وارفع قدر فقرائنا، واجمع قلوبنا على الخير. اللهم تقَبَّل منا إنك سميع مجيب.[/face]
[face=Arial]ربنا أصلح لنا ديننا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.[/face]
[face=Arial]وصلَّى الله على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.[/face]
<font face="Arial"><font size="5">
الموضوع الأصلي

" />