<font size="6">وفاة معلمي ومربي الشيخ محمد أيوب الإصلاحي
د. أورنك زيب الأعظمي [/b]
وفاة معلمي ومربي الشيخ محمد أيوب الإصلاحي[/b]
(والد الدكتور محمد أجمل أيوب الإصلاحي)[/b]
د. أورنك زيب الأعظمي
أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية وآدابها بالجامعة الملية الإسلامية (نيو دلهي)
الشيخ محمد أيوب الإصلاحي في 30/ يونيو سنة 2018م، كان الشيخ الإصلاحي ممن علَّمني القرآن الكريم في المدرسة، ولكني تعلَّمت عليه الإنشاء العربي والنقد العربي، وفوق ذلك أنه ربَّاني وأحسَن تأديبي.الشيخ محمد أيوب الإصلاحي في 1928م، وتوفِّي والده في طفولته، فكفل بإنشائه وتربيته شقيقه الأكبر وربَّاه خير تربية وجيدها، كان الشيخ أيوب ينتمي إلى "كَوْنْرَهْ غَهْنِيْ" إحدى قرى محافظة أعظم كره (ولاية أوترابراديش، الهند)، وهذه قرية صغيرة لم يبرز منها شخصية جليلة قبله، ولا بعد ولده المكرم الدكتور محمد أجمل أيوب الإصلاحي، فكأن هذه السلسلة بدأت منه وانتهت إليه. الشيخ محمد أيوب الإصلاحي تعليمه الابتدائي من كتَّاب قريته؛ حيث تعلَّم حتى الصف الثالث الأردي، ثم التحق بكتَّاب "مدرسة الإصلاح" بسرائ مير (أعظم كره) في 1940م، وهذه المدرسة تعرف بإنجاب شخصيات جليلة في مختلف مجالات العلم والفن، بما فيها الدراسات القرآنية، فمعظم علماء القرآن في الهند بعد استقلال الهند؛ إما نهلوا من منهلها العذب، أو استفادوا من العلامة عبدالحميد الفراهي الذي خصَّها بتعليم القرآن الكريم، وقد التحَق بها الشيخ أيوب وتخرَّج فيها في 1951م، ثم عيِّن مدرسًا في كتَّابها في السنة التي تخرج فيها، كان الشيخ الإصلاحي طالبًا وحيدًا في معظم صفوفه، فلحقه في نهايتها الشيخ شهباز الإصلاحي الذي درَّس القرآن الكريم في دار العلوم التابعة بندوة العلماء بلكناؤ، تقاعد عنها الشيخ محمد أيوب في 2011م فأنفَق سبعين (70) أو أكثر في رحاب هذه المدرسة طالبًا فيها ومدرِّسًا.كليلة ودمنة"، وتمثيل دروسه، وأما كتاب "أمثال آصف الحكيم"، فهذا مجموعة حكايات صنعها الحكيم اليوناني الشهير آصف (Aesop) باللغة اليونانية، فقام العلامة الفراهي بترجمتها من الإنجليزية إلى العربية، وأسلوبها يشبه أسلوب القرآن الكريم؛ لأن المترجم (العلامة الفراهي) شهير لبراعته في الدراسات القرآنية، وبعد ذلك جعل يدرِّس القرآن الكريم في الصف الثالث، ثم في الصف الرابع، حتى بلغ الصف السابع، وكان يجعل دروس القرآن ممتعة بأسلوبه التمثيلي الخاص.صفاته وأخلاقه:الشيخ الإصلاحي) رحيمًا على الصغار، شديدًا على تربيتهم، وكان حديثه حلوًا ممتعًا، وكان مربيًا محنكًا، ولو قضى معظم أيام حياته في الفقر والبؤس، ولكنه كان غيورًا إلى حد بعيد، وكان صابرًا على الشدائد، ولَمَّا أسبَغ الله عليه نعمه، لم أجده بَطِرًا متكبرًا، بل وجدتُه أكثرَ شكرًا مما كان هو قبل غنائه".تلامذته:1- الدكتور محمد أجمل أيوب الإصلاحي: محقق هندي كبير مقيم بالرياض، وأحد أولاد الشيخ المرحوم البررة.2- الشيخ نسيم ظهير الإصلاحي: مدرِّس القرآن الكريم والحديث النبوي بمدرسة الإصلاح، ونائب مدير تحرير مجلة "نظام القرآن" الصادرة عن مدرسة الإصلاح.3- الدكتور أبو سفيان الإصلاحي: مدرِّس القرآن الكريم بمدرسة الإصلاح.4- الدكتور أشهد جمال: مدرِّس في ثانوية جامعة علي كره الإسلامية، وكاتب عن الدراسات القرآنية.5- الدكتور أياز أحمد الإصلاحي: أستاذ مشارك في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة لكناؤ، وله مقالات عن الدراسات القرآنية، وكتب رسالته للدكتوراه عن نظم القرآن الكريم.6- الدكتور فيضان أحمد: نال الدكتوراه في التاريخ، وهو الآن يعمل في الأرشيف الوطني.7- الأخ الفاضل أبو نافع الأعظمي: متخرج من مدرسة الإصلاح مترجم، وحصل على شهادة ما قبل الدكتوراه من جامعة جواهر لعل نهرو بنيو دلهي.8- الدكتور بلال الإصلاحي: كاتب وطبيب في الطب اليوناني.9- الأخ علم الله البيهاري: موظف في قسم الإعلام بالجامعة الملية الإسلامية بنيو دلهي.أعماله:معارف" الشهرية الصادرة عن دار المصنفين بأعظم كره، أو في مجلة "دوام"، أو في مجلة طلاب مدرسة الإصلاح السنوية، وأخيرًا في مجلة "نظام القرآن" الفصلية الصادرة عن مدرسة الإصلاح التي كان الشيخ الإصلاحي مدير تحريرها، وقد نشرت مجموعة هذه الكتابات الأردية بعنوان "متاع قلم" من مطبعة البلاغ بنيو دلهي، وصدرت لها حتى الآن طبعتان لرغبة الناس فيها؛ يقول عن أعماله الشيخ محمد طاهر المدني: "كتب (الشيخ الإصلاحي) قليلًا، ولكنَّ ما كتبه رائعٌ للغاية".ويفصِّل القول عن رحلته العلمية الشيخ نسيم ظهير الإصلاحي أحد تلامذته المبرزين، فيقول:معارف" الشهرية لدار المصنفين، كما نشرت له قصص وكلمات في مجلة "دوام"، و"مجلة طلاب مدرسة الإصلاح"، وأما افتتاحيات مجلة "نظام القرآن" الفصلية، فحدِّث عنها ولا حرج، إنها أروع ما كتبه الشيخ الإصلاحي باللغة الأردية، وله محاضرات طلبنا منه بإصرار أن يكتُبها بمناسبات علمية منعقدة في المدرسة، له مجموعة كتابات نشرت باسم "متاع قلم"، وهي نموذج لفصاحة الكلمة وجزالتها، تبدو كتاباته متأثرة بكتابات مولانا أبي الكلام آزاد".كان الشيخ محمد أيوب الإصلاحي مولعًا بالمحادثة بالعربية"، علمًا بأن الشيخ عبدالحسيب الإصلاحي قام بترجمة مختلف كتب ورسائل اللغة الأردية إلى العربية، ومنها: "أحكام الحجاب في القرآن الكريم"، و"الدعوة الإسلامية ومنهاجها"، و"التعبير الحقيقي للإسلام".منهجه لتدريس القرآن الكريم: وبما أن الشيخ الإصلاحي قد تعلَّم القرآن الكريم على الشيخ أختر أحسن الإصلاحي مباشرة، فكان يعلِّمنا على طريقته، وكنا نقضي وقتًا طويلًا في دراسة القرآن قبل أن نحضر الفصل، وكنتُ أنا القارئ طول أيامه التدريسية للقرآن، فكنت أقوم بالترجمة الأردية، وكان الشيخ يطرح السؤال مرة عن المفردات، وأخرى عن التأويل، وثالثة عن آراء المفسرين الآخرين في الموضوع، وكثيرًا ما كان يشير إلى مؤلفات الإمام الفراهي في القرآن الكريم، فاعتدتُ على دراسة كتبه ورسائله، حتى درست تعليقاته على القرآن الكريم التي أخذتها عن الشيخ ذاته.إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ [الطارق: 4]، وطرح بعض الأسئلة، فقضيت الليل كله في البحث عن هذا، ولَما حضرت الفصل في الصباح، وكنت قد سهرت الليل، تفرَّس وقال متبسمًا: تعِبت، فقلت: نعم، ثم ألقى محاضرة ممتعة في الموضوع.علاقتي مع هذه الشخصية:شعاع"، فتحدثنا مع الشيخ محمد عمر أسلم الإصلاحي (أستاذ الأدب العربي بالمدرسة)، فذهب بنا إلى عميد المدرسة؛ لكي نحصل على الإجازة الرسمية، والعميد كان آنذاك الشيخ محمد أيوب الإصلاحي، فالتمسنا منه أن يكون مشرفًا أعلى بجانب طلب الإجازة، فأجازنا لإصدار المجلة، ولكنه وضع الخط تحت كلمة المشرف الأعلى كأنه لا يرضى، ولكن الشيخ محمد عمر أسلم الإصلاحي المشرف على المجلة، أمرنا أن نرجع وأشار علينا أنه رَضِيَ، ولم نَزره بعدُ إذ بلغنا في الصف الثالث العربي، وكان من المواد الدراسية لهذا الصف القرآن الكريم، فعيَّن الشيخ محمد أيوب الإصلاحي لتدريسنا القرآن الكريم، ومِن حُسن حظنا أنه علَّمنا القرآن في كافة الصفوف العربية، سوى الصف النهائي، وكانت هذه أول مرة في حياته؛ إذ جعل معلِّمًا للقرآن الكريم بعد الصفوف الدنيا، فكان يذكر مرارًا وتكرارًا (بأسلوبه الخاص) أن هذه منتنا عليه، إذ أصبح معلِّمًا للقرآن الكريم.كنت مولعًا بدراسة الكتب العربية والإنشاء العربي، فكنت دائمًا أدرس الكتب العربية في مكتبة المدرسة المركزية، أو أكتُب وأترجم من وإلى العربية، وكان الشيخ الإصلاحي مشرفًا على المجلة التي كان يصدرها طلاب المدرسة، فتعلَّقتُ به بكوني عضوًا فيها، وأتذكر أنه كتب توصية إلى الشيخ سعيد الرحمن الأعظمي رئيس تحرير مجلة "البعث الإسلامي"، لنشر ترجمة قمتُ بها لمقالة الشيخ أبي الليث الإصلاحي، فنشرها الشيخ الأعظمي في ثلاث حلقات، ولَمَّا بلغتُ في الصف الخامس العربي، وأصدرت مجلة خطية أخرى بالعربية تحت إشرافه، فكان الشيخ الإصلاحي يقوم بإصلاح كافة المقالات التي كانت تنشر فيها، وهي كلها كانت بقلمي المتواضع، وبواسطته اتَّصلت على الدكتور محمد أجمل أيوب الإصلاحي الذي أرشدني إلى قراءة بعض المصادر العربية التي قرأتها، ومِن ثَمَّ تعلَّقت به حتى وفاته، فكان يحثني على الدراسة والكتابة، وكلما كنتُ ألقاه كان يسأل عن أنشطتي العلمية، وكان يغمره السرور حينما كنتُ أُريه إنجازاتي العلمية والأدبية.
الموضوع الأصلي

" />