<font size="6">
عبدالله بن عبده نعمان العواضي <font size="6">
[/b]فبينا رجل يلاحق الخطيئة، ويركب لها مطايا الليل الدامس، حتى ينال منها بغيته، إذا بالحق يقطع عليه طريقه نحوها، ويقول له: إن بغيتك عندنا ألذ لك وأعظم، فيصل إلى سمعه -وهو يتسلق جدران المعصية- منادي الحق: أنْ انزل؛ فقد آن لك أن تغلق سجل البعد عن ربك، وتفتح سجل القرب إليه، لقد حان هذه الليلة أن تخط على صفحة قلبك بدموع الندامة سطورَ التوبة التي سيشرق منها زهد وعلم يملأ الدنيا نوراً واقتداءً.
وما خبر ذلك؟
الفضيل بن عياض هو: الإمام القدوة الثبت، شيخ الإسلام، أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر، التميمي اليربوعي الخراساني، المجاور بحرم الله. كان عالمًا جليلاً وعابداً صادقًا، من رجال الحديث المعدودين، ومن أعلام الورع المشهورين.
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الحديد: 16]. قال: فلما سمعها قال: بلى -يا رب- قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة وإذا فيها سابلة فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتى نصبح؛ فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ههنا يخوفونني! وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام"[11]</b>.
إن هذه الآية الكريمة: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16]. حينما نتدبرها وننظر في جمال أسلوبها الوعظي نجد أنها آية عظيمة تستدعي الالتفات، وتستهوي الأفئدة، وتزجر الجوارح عن خطاياها وتقصيرها. فتقول: " أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقادُ له وتسمع له وتطيعه"[12]. " ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله، فتخضع قلوبهم له، ولما نزل من الحقّ، وهو هذا القرآن الذي نزله على رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم"[13]. بلى قد " جاء الحين والأوان لذلك؛ لكثرة ما تردد عليهم من زواجر القرآن ومواعظه"[14].
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الحديد: 16]. إلا أربع سنين"[15].
إن هذه الآية الكريمة قد تدبرها بعض الصالحين، وأنعم النظر فيها، فأثرت عليه تأثيراً بالغًا:
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الحديد: 16]. بكى حتى يغلبه البكاء"[16].
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الحديد: 16]. فصاح: اللهم بلى، يكررها دفعات، وبكى، ثم نزل عن دابته، وفرق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه، وردها وتصدق بالباقي، ثم انقطع إلى العلم والعبادة حتى مات[17].
دروس من قصة الهداية:
1- بيان عظم جمال الأسلوب القرآني في وعظه وعتابه، ودعوته إلى التوبة ومراجعة النفس.
2- قوة تأثير القرآن الكريم على النفوس، مهما كانت موغلة في العصيان والانحراف.
3- على العاصي مراجعة نفسه، والتعرض لنفحات التوبة، فرحمة الله واسعة.
4- رأينا أثر قيام الليل وقراءة القرآن فيه كيف كانت سببًا للهداية.
[face=book antiqua]<font size="5">لا يقنطن أحد من توبة عاصٍ ولو بلغت ذنوبه عنان السماء.[/face]
<font face="book antiqua"><font size="5">
[face=book antiqua]<font size="5">[1]</b> شعب الإيمان، البيهقي (5/ 468).[/face] <font face="book antiqua">
[face=book antiqua]<font size="5">[2]</b> سير أعلام النبلاء، الذهبي (8/ 425).[/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[3]</b> سير أعلام النبلاء، الذهبي (8/ 426).[/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[4]</b> المصدر السابق (8/ 427).[/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[5]</b> المصدر السابق (8/ 428). [/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[6]</b> المصدر السابق (8/ 436). [/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[7]</b> المصدر السابق (8/ 440).[/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[8]</b> المصدر السابق (8/ 424). [/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[9]</b> تنظر ترجمة الفضيل في: سير أعلام النبلاء، الذهبي (8/ 421) وما بعدها، الوافي بالوفيات، الصفدي (7/ 186)، وفيات الأعيان، ابن خلكان (4/ 47).[/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[10]</b> يعني: قاطعًا للطريق.[/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[11]</b> شعب الإيمان، البيهقي (5/ 468).[/face]
<font face="book antiqua"><font face="book antiqua"><font size="5">[12]</b> تفسير ابن كثير (8/ 19).
<font face="book antiqua">
[face=book antiqua]<font size="5">[13]</b> تفسير الطبري (23/ 187).[/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[14]</b> أضواء البيان، الشنقيطي (7/ 547).[/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[15]</b> رواه مسلم (4/ 2319).[/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[16]</b> حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني (1/ 305).[/face]
<font face="book antiqua">[face=book antiqua]<font size="5">[17]</b> صفة الصفوة (2/ 469).[/face]
الموضوع الأصلي

" />